محمد بن جعفر الكتاني

73

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس

بالزاوية الزرهونية . فكفله حتى فطم وشب ، وأدبه أحسن أدب ، وحفظه القرآن فحفظه وهو ابن ثمانية أعوام ، وقيل : ابن سبعة ، وعلمه السنة والفقه والحديث والنحو والشعر ، والأدب وأمثال العرب وحكمها ، وسير الملوك وسياستها ، وعرفه أيضا بأيام الناس ، ودربه « 1 » على ركوب الخيل والرمي بالسهام ومكايد الحروب ، حتى عرف ذلك كله ، وتمهر فيه وهو ابن عشرة أعوام أو إحدى عشرة سنة ، على اختلاف المؤرخين . ولما كملت له من السنين إحدى عشرة سنة أو نحوها ، وظهر من ذكائه وعقله ونبله وفصاحته وبلاغته ما أذهل عقول العامة والخاصة ؛ أخذ له مولاه راشد المذكور البيعة على جميع قبائل المغرب ، فبايعوه بجامع مدينة وليلي يوم الجمعة سابع ربيع الأول سنة ثمان وثمانين ومائة . وذكر الجزنائي في " جنا زهرة الآس " أنه : أخذها له يوم الجمعة مهل شهر ربيع الأول من سنة ست وثمانين ومائة ، وخطب الناس إذ ذاك خطبة بليغة دعاهم فيها إلى اللّه تعالى وإلى طاعته . وفي " العبر " لابن خلدون أنه - رضي اللّه عنه - : بويع حملا ثم رضيعا ثم فصيلا إلى أن شب واستتم ، فبويع مرة رابعة سنة ثمان وثمانين وهو ابن إحدى عشرة سنة . وبعد بيعته ؛ سار في الناس بسيرة سلفه الصالح ، وهديهم الواضح ؛ فجدد من معالم الدين ما بلي ، وأظهر ما خفي ، وأحضر ما غاب وغبر ، وأحيا ما درس واندثر ، ونشر العدل ، وأظهر الحق والكمال والفضل ، والتزم الاستقامة ، وأقام السنة وراءه وأمامه ، ونصح للّه ولرسوله وللمؤمنين ، وشهر شعائر الإسلام والمسلمين ، حتى استقام أمره وملكه ، وانتظم عقده وسلكه ، وثبت مكانه ، وعز سلطانه ، وقويت جنوده وأتباعه ، وكثرت حواشيه وأشياعه ، ووفدت عليه الوفود من البلدان ، وقصده الناس من كل ناحية ومكان ، وغزا ما لم يصله [ 71 ] أبوه من النواحي والأقطار ، وأسلم بدعوته من بقي من الكفار ، ولم يبق إلا من رضي بأداء الجزية للمسلمين ، أو بالدخول في زمرة عباد اللّه المؤمنين ، ونشر العلوم وأوضح الشريعة والحقيقة ، ومهد طريق الجمع بينهما حتى عرفت أصول الدين وفروعه ، وتبين كمال الإيمان على ما هو عليه ، فثبت الدين في المغرب وتقرر ، وصارت شجرته فيه أصلها ثابت وفرعها في السماء . فعلم ببركته أهل المغرب بعد أن جهلوا ، وعملوا بعد ما ضيعوا ، وأقبلوا بعد ما أعرضوا ، واتصلوا بعد ما انفصلوا ، وقربوا بعد ما بعدوا ، وتأنسوا بعد ما استوحشوا ، وعزوا بعد ما ذلوا ، وغلوا بعد ما رخصوا ، وعلوا بعد ما سفلوا ، وأحيوا به وبأبيه بعد الموت ؛ وتداركهم اللّه ببركتهما قبل الفوت .

--> ( 1 ) بالدال المهملة . مؤلف .